شهاب الدين أحمد الإيجي

399

فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل

والأعضاء المتفرقة ، كيف وجدتم الدار التي حللتم بها ؟ أي بنيّ ، فكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم ، فاصلح أخراك ، وأتبع آخرتك بدنياك ، ودع من القول ما لا تعرف ، ومن الكلام ما لا يكلّف ، وأمسك عن طريق خفت ضلاله ، فإنّ الكفّ عن حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال ، وخض الغمرات إلى ما فيه الحقّ ، وتفقّه في الدين ، ولا تأخذك في اللّه لومة لائم ، وعوّد نفسك الصبر على المكروه ، فلنعم الخلق الصبر ، والجأ في الأمور كلّها إلى إلهك ، فإنّك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز ، وأخلص المسألة إلى ربّك ، فإنّ في يده العطاء والحرمان ، وأكثر الاستخارة . وأعلم أنّ الإعجاب ضدّ الصواب وآفة الألباب ، فإذا اهتديت لقصدك فكن أخضع ما تكون لربّك ، فأعلم إنّ الذي بيده خزائن السماوات والأرض أذن بدعائك ، وتكفّل بإجابتك ، وأمرك أن تسأله ليعطيك ، وهو رحيم لم يجعل بينك وبينه من يحجبك ، ولم يمنعك من التوبة إذا أسأت ، فمتى ما شئت سمع دعاءك ونجواك ، فأفض إليه نجواك ، فهو معدن الحوائج ، وبثّه ذات نفسك ، وليكن مسألتك فيما يعينك ، لا فيما يلزمك خباله ويبقى عليك وباله ، فإنّك توشك أن ترى عاقبة أمرك حسنة كانت أو قبيحة . وفي رواية : فمتى ما شئت سمع نداءك ونجواك ، فأفضيت إليه بحاجتك وابثثته ذات نفسك ، وشكوت إليه همومك ، واستعنته على أمورك ، وناجيته بما تستخفي به من الخلق كلّهم من سرّك ، ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته ، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبوابه ، فألحح في المسألة يفتح لك باب الرحمة ، ولا يقنّطك إن أبطأت عليك الإجابة ، فإنّ العطيّة على قدر المسألة ، ربّما أخّرت عنك الإجابة لتكون أطول للمسألة ، وأجزل للعطيّة ، وربّما سألت الشيء فلم تؤته ، وأوتيت خيرا منه عاجلا وآجلا ، وصرف عنك لما هو خير لك ، فلربّ أمر قد طلبته وفيه هلاك دينك أو دينك لو أوتيته . أي بنيّ فبما يعينك ممّا ترجو أن يبقى لك ، ولا تبقى له ، فإنّه توشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو سيّئا ، أو يعفو الكريم . وأعلم يا بنيّ ، إنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدنيا ، وللفناء لا للبقاء ، وللموت لا للحياة ، وإنّك في منزل قلعة ، ودار بلغة ، وطريق إلى الآخرة ، وإنّك طريدة الموت الذي لا ينجو هاربه ،